الشوكاني
463
فتح القدير
إلي ولا تؤخرون . قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة ، ومنه قضى الميت : مضى . وحكى الفراء عن بعض القراء أنه قرأ ثم " أفضوا " بالفاء وقطع الهمزة : أي توجهوا ، وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه . ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من الإعذار والإنذار وتبليغ الشريعة عن الله ليس هو لطمع دنيوي ، ولا لغرض خسيس ، فقال ( فإن توليتم فما سألتكم من أجر ) أي إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم وتذكيري إياكم ، فما سألتكم في مقابلة ذلك من أجر تؤدونه إلي حتى تتهموني فيما جئت به ، والفاء في ( فإن توليتم ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والفاء في ( فما سألتكم ) جزائية ( إن أجرى إلا على الله ) أي ما ثوابي في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه فهو يثيبني آمنتم أو توليتم . قرأ أهل المدينة وأبو عمر وابن عامر وحفص بتحريك الياء من أجري ، وقرأ الباقون بالسكون ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه لا يأخذون عليها أجرا ولا يطمعون في عاجل . قوله ( فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك ) أي استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك ، وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن ، والمراد بمن معه من قد أجابه وصار على دينه ، والخلائف جمع خليفة ، والمعنى : أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) من الكفار المعاندين لنوح الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله بالطوفان ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتهديد للمشركين وتهويل عليهم ( ثم بعثنا من بعده ) أي من بعد نوح ( رسلا ) كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ( فجاءوهم بالبينات ) أي بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبي ( فما كانوا ليؤمنوا ) أي فما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه . والمعنى : أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات ( بما كذبوا به من قبل ) أي من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجئ الرسل إليهم . والمعنى : أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم ، لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولا ، وهذا مبني على أن الضمير في ( فما كانوا ليؤمنوا ) وفي ( بما كذبوا ) راجع إلى القوم المذكورين في قوله ( إلى قومهم ) وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح : أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من بعدهم ( وجاءتهم رسلهم بالبينات ) وقيل إن الباء في بما كذبوا به من قبل للسببية : أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب الحق من قبل مجيئهم ، وفيه نظر . وقيل المعنى : بما كذبوا به من قبل : أي في عالم الذر فإن فيهم من كذب بقلبه ، وإن آمنوا ظاهرا . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل إنه لقوم بأعيانهم ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) أي مثل ذلك الطبع العظيم نطبع على قلوب المتجاوزين للحد المعهود في الكفر . وقد تقدم تفسير هذا في غير موضع . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج في قوله ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) يقول : فأحكموا أمركم وادعوا شركاءكم . وأخرج أيضا عن الحسن في الآية ، أي فليجمعوا أمرهم معكم . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) قال : لا يكبر عليكم أمركم ( ثم اقضوا ) ما أنتم قاضون . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ثم اقضوا ) قال : انهضوا ( إلي ولا تنظرون ) يقول : ولا تؤخرون .